| 0 Comments
مقالات

الاختراعات حبيسة بعد البراءة

تلمع إعلامياً ثم تختفي فجأة
الاختراعات حبيسة بعد البراءة

علامات استفهام كثيرة تدور في أذهان المخترعين، الذين اقتحموا عالم الابتكار، بكل اجتهاد وحماسة، بعد أن فكروا وثابروا وعملوا للوصول إلى حل لمشكلة فعلية يعانيها المجتمع، ليجد الشباب الحلول الجذرية لمشكلة ما، وتتهافت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لتسليط الضوء على هذا المنجز والتصفيق لهؤلاء المخترعين الذين يستحقون الإشادة، ولكن ماذا بعد التصفيق والإشادة؟ وماذا بعد أن نجحت الاختراعات إعلامياً؟ فعلياً وفي الواقع لا شيء يذكر بعد النجاح الإعلامي، لتظل هذه القصاصات الورقية والفيديوهات الإلكترونية مجرد ذكرى لدى المخترع، فإنجازه لايزال بين يديه ولم يحول إلى منتج يباع في الأسواق، فليس هناك من يدعم المنتج والفكر والاختراع المحلي .
رغم مصير الاختراعات التي أصبحت واضحة للجميع، وأصبحت معاناة لا تنتهي ويكررها المخترعون مراراً وتكراراً من دون أن يجدوا من يستمع إليهم ويمولهم، إلا أن الشباب مصر على الاختراع والابتكار، فاهتمام الشباب مستمر ليبتكروا أفكاراً جديدة، فما الدوافع التي تجعلهم يقبلون على الابتكار؟ وفي ظل الصراع المستمر، إلا أن هناك عدداً قليلاً من المخترعين الذين واجهوا كل التحديات وموّلوا اختراعاتهم بأنفسهم لترى النور، في حين وجد آخرون من يحتضنهم .
وبين كل تلك المشكلات، تظل مسألة تسريب وسرقة الاختراعات محيرة، فلا يستطيع المخترع حماية فكرته رغم سعيه إلى تسجيل براءة اختراع، فهو لا يعلم من وراء التسريب، كما أن تجاهل الشركات العالمية والمحلية لصوت المخترعين، قضية تستحق الوقوف عندها، فالبعض منهم لا يملك الجدية والمصداقية كي يقوم بتبني الأفكار التي تعد حلولاً جذرية لمشكلات قائمة .
تطالعنا الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية وشاشات التلفزيون بشكل أسبوعي بالحديث عن مخترع أو مبتكر، لنجد أنه في المحصلة لدينا العديد من المبتكرين والمخترعين، الذين انتشرت أخبارهم، ونجحت اختراعاتهم إعلامياً، ولكن ماذا بعد الخبر؟ يموت الاختراع وينطفئ بريقه، ويطل برأسه بين الحين والآخر بمشاركة في مسابقة محلية أو دولية، ليبهر العالم ويلفت الأنظار، فيسمع المخترع المديح وكلمات الثناء، وربما وعوداً كاذبة، إلا أنه ليس هناك فعلياً من يسعى إلى تحويل الاختراع إلى منتج ليباع في الأسواق . فماذا ينقصنا في الإمارات لتحويل الاختراع إلى منتج؟ ولماذا لا تكون لدينا شركة تابعة لوزارة الاقتصاد لتبني كافة الاختراعات التي تقدم حلولاً جذرية، وتدر أرباحاً على الطرفين؟ واختتم المشاركون في التحقيق حديثهم بتساؤلات عدة حيرتهم لسنوات طوال .
خلفان الحمادي “إداري في جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية”، أكد أن دور وزارة الاقتصاد يقتصر على توزيع أرقام المخترعين على وسائل الإعلام، من دون أن يبذلوا أي جهد فعلي في إرشاد المخترع، وتوجيهه ودعمه . ويقول: “سجلت الاختراع في وزارة الاقتصاد، وواجهت الكثير من المشكلات، ولم أجد جهة مموّلة، والفكرة سجلتها قبل 4 سنوات، وأتمنى ولا أزال أن تنفذ الفكرة في “إكسبو،2020” ويشير إلى أنه يتلقى الكثير من الاتصالات من وسائل الإعلام لتسليط الضوء على اختراعه، لكنه لم يجد دعماً أو إرشاداً أو توجيهاً، ليؤكد أن الاختراعات تنجح إعلامياً، وتفشل تسويقياً، ويوضح أن قسم حماية الملكية الفكرية لا يبذل جهداً لإرشاد المخترعين، ليتمكن المخترع من تحويل اختراعه إلى منتج يباع في الأسواق، خاصة أنه يلبي حاجة ويقدم خدمة . ويتساءل: هل سيجد مَن يطبق اختراعه قبل “إكسبو2020″، لنبهر العالم فعلياً باختراع جديد من نوعه؟
تسليط الضوء على الابتكار إعلامياً، يسهم في نشره، ويشجع المخترع على العطاء والابتكار، هذا ما أشار إليه حميد بن دلموك “مهندس إلكترونيات في شرطة دبي”، ويقول: حرصت في بداية الاختراع على إبرازه في محيط عملي لتستفيد المؤسسة من الاختراع، وبالتالي تنشره في مواقع المؤسسة الإلكترونية، ويصبح الإعلام الأمني حلقة وصل بين المخترع ووسائل الإعلام، التي تعد سبباً أساسياً في دعم المخترع معنوياً، ليستمر في الابتكار، ولتنجح الابتكارات إعلامياً، وتقف جامدة في نهاية الخبر، فليس هناك جهات تدعمها . ويشير إلى أن جميع المؤسسات والشركات تستورد الأجهزة من الخارج بثقة تامة في جودة المنتج، في حين أن التخوف يتملكهم بمجرد أن يفكروا في تبني مشروع محلي وتسويقه، فالمنتج المحلي لا يضاهي بجودته المنتج البريطاني أو الألماني حسب رأيهم .
ويضيف: “المخترع إذا أراد تنفيذ اختراعه فإنه لا يستطيع ذلك، لأنه ليست هناك جهات داعمة، ولكن هناك فئة بسيطة من الشباب الذين اعتمدوا على أنفسهم لتحويل الاختراع إلى منتج يباع في الأسواق”، ويؤكد أنه على الرغم من حصول المخترع على براءة الاختراع، إلا أن اختراعه غير محمي عالمياً، وقد تعرض لموقف خلال مشاركته في معرض دولي، حيث حاول الصينيون سرقة ابتكاره بالتدقيق على التفاصيل، لكنه كان مدركاً لذلك مسبقاً فحرص على أن تكون الدائرة الكهربائية غير واضحة، ويتساءل: لماذا لا تتبنى وزارة الاقتصاد اختراعات الشباب؟ ولماذا لا تحميها؟
قدم عبد الأمير أحمد “مدير إدارة في شركة خاصة” مجموعة من الاختراعات تمثلت في الطرق، وأخرى تعلقت بأمن المنبع الكهربائي في البيوت، واختراع يحد من الضباب في الطرقات، واختراع للتقاطع الذكي، علماً أنه بدأ رحلته مع الابتكارات من المرحلة الإعدادية، وحاول مراراً التسجيل للحصول على براءة اختراع، إلا أنه وجد أن الأوراق المطلوبة تعجيزية، رغم أنه حصل على مراكز أولى في المسابقات التي شارك فيها، ويقول: “الإعلام ركز بشكل كبير على اختراعاتي، وهذا أسهم في نجاحها إعلامياً، خاصة بعد حصولي على ميداليات محلية ودولية، ورغم هذا الاهتمام من الإعلام، إلا أنني لم أجد من يموّلني لترى تلك الابتكارات، النور وتعالج ضرراً، رغم أني وجدت الكثير من الإشادات من زوار معارض الابتكارات ومن شركات” . ويتساءل: إلى متى تظل الأفكار حبيسة الأدراج ومجرد أخبار في الجرائد؟
مبارك الحميري “موظف في مصنع أسمنت الإمارات” أكد أنه بمجرد معرفة وسائل الإعلام أن مواطناً اخترع، يحرصون على التواصل وتسليط الضوء على الاختراع، وبدورهم يدعمون المخترع الإماراتي، ولكن ماذا بعد الخبر؟
ويقول: “اختراعي يحل مشكلة، ويتمثل في إعطاء إشارة بحاجة المنزل إلى تبديل أنبوب غاز، وقد حرصت على تسجيل الاختراع في وزارة الاقتصاد، ولم أحصل على براءة اختراع إلى الآن، وليست هناك جهة فعلية تهتم بالمخترعين وتتابعهم، رغم وجود عدد كبير من الشركات التي يمكنها الاستفادة من الاختراع، إلا أنه لا أحد يلتفت، فالاختراع ينجح إعلامياً، ولكن ليس هناك من يحوّله إلى منتج ويسوّقه، فالشركات دائماً تريد التعاقد مع الأيادي الخارجية والأجنبية ممن لهم خبرة طويلة في هذا المجال، وثقتهم بالأجنبي أكبر من المواطن، وبالتالي ليس لديهم استعداد لدعم المواطن وتبني اختراعه، فما يهمهم هو المنتج الجاهز بغض النظر عن التكلفة، خاصة أنهم لو تعاقدوا مع الإماراتي فسوف تكون التكلفة أقل”، ويشير إلى أن الجهات التي تصرح إعلامياً أنها تدعم الاختراعات، جميعها تدعي ذلك، فربما يقتصر دعمها على حصول المخترع على براءة اختراع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ لا شيء بالتأكيد، خاصة أن معظم الاختراعات تعالج مشكلة، وسوف تدر أرباحاً على الطرفين . ويتساءل: إلى متى تظل الاختراعات مجرد حبر على ورق؟
وجد حمدان العرياني “موظف في هيئة البيئة في أبوظبي” مَن يتبنى فكرته من الوفود الخارجية التي اطلعت على ابتكاره، لكنه رفض، ساعياً إلى الحصول على تبنٍ من المؤسسات الوطنية، ليبقى الاختراع في انتظار من يتبناه، يقول: “الابتكارات فعلياً تنجح إعلامياً، فالإعلام لا يتراجع عن دوره في دعم الأفكار الإماراتية المبدعة، لكن الجهات الممولة لا تسعى فعلياً إلى تبني الابتكارات، واختراعي تمثل في توفير المياه والطاقة في الزراعة المكشوفة، وقد حرصت على التسجيل في وزارة الاقتصاد للحصول على براءة الاختراع، وأنتجت القطعة الأولى ووضعتها في مزرعتي الخاصة، وقد اهتم الإعلام كثيراً بتسليط الضوء على الابتكار” . وتساءل: ماذا بعد الإعلام؟

0
0
Share

Post a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.